الصدمة الأولى لشباب الثورة من قوى الاحزاب المتشاكسة!

خاص: سودان سفاري

 من المؤكد ان جيل الشباب الحالي الموجود فى ميدان الاعتصام امام مقر قيادة الجيش السوداني لم يعايش صراعات وخلافات القوى السياسية السودانية

فى آخر تعددية جرت عقب الاطاحة بنظام الرئيس النميري منتصف ثمانيات القرن الماضي. ولهذا ربما يذهل هذا الجيل غاية الذهول حين تتراءى له بعد ايام او اسابيع حراب وسنان هذه القوى و مطاعناتها الخفية والمعلنة، وتشاكسها في ميدان أبعد ما يكون عن ميدان البناء والعمل وتحقيق الانجازات!

في منتصف ثمانيات القرن الماضي كان هناك ايضاً شباب من ذلكم الجيل الذي هرم الآن، وكانوا يومها يمنون النفس بتعددية سياسية وديمقراطية عالية المستوى، وكنت تسمع فيها حينها من قبل النخب والمثقفين وذوي الاستنارة (الصادق المهدي أمل الامة)! وكانت احزاب اليسار الشيوعي، البعث، الناصري، عالية الصوت، كثيرة الحركة والضجيج ولكنها لم تحرز أدنى صوت ما عدا الحزب الشيوعي السوداني الذى انحصر كل ما احزره فى نائبين او ثلاثة.

حزب الامة بزعامة الصادق المهدي تصدر المشهد ولكنه وحال بداية التشاور حول الحكومة بدأت المساومات مع الحزب الاتحادي الديمقراطي تارة؛ ومع الجبهة الاسلامية تارة اخرى ثم مع اليسار. اسابيع و شهور قضاها المتشاركون فى التشاور حتى أنجزت الحركة الشعبية بقيادة قرنق حينها عددا من الانتصارات السهلة  السريعة!

 حزب الامة نفسه بعد التشكيل الحكومي عسير المخاض شغل نفسه بملف (تعويضات آل المهدي) لتخرج حينها على الفور (6 مليار جنيه) من الخزينة العامة المتداعية لآل المهدي تعويضاً عن أذى سلطة مايو! ثم قضت قوى الاحزاب حوالي العامين فى التشكيل ثم الحل حتى جاءت يونيو 1989م.

 لا نود القول انه ما أشبه الليلة بالبارحة، فقد تعرض مجلس سوار الذهب لذات التجاذبات، وركز اليسار كل انتقاداته نحوه وظل يوجه اليه سهام الاتهامات وعدم الرضا وقلة الثقة! الآن ربما يدهش أي مراقب للشأن السوداني لما تفعله القوى السياسية السودانية وهي ترشف شاي المساء وتمد رجليها فى دعة وخمول، تطالب بتسليم السلطة للمدنيين، وحين يطلب منها المجلس العسكري تقديم مقترحاتها للتشكل الحكومي تتلكأ وتتباطأ وتختلف! 

والناظر تلقاء القوى الحزبية لا يرى غير حجارتها وهي تتقاذف، فالمؤتمر السوداني فى سجال وعراك مع الحزب الشيوعي. وتجمع المهنيين فى معارك مع قوى الاجماع وما تزال جعبة القوى الحزبية مليئة بالعجائب. 

هذا الواقع للاسف الشديد لن يقود الى المراحل العملية المرتجاة، فالتشاكسات الجارية وإنعدام روح الفريق وغياب الثقة والرغبة المتأججة فى الاستئثار بالكيكة سوف يجعل شباب الاعتصام يهيل التراب على ثورته واعتصامه. 

إنه داء قديم للاسف الشديد لم يجد الساسة فى السودان له دواء شافي حتى الآن، دائماً الاحزاب السودانية مختلفة، بطيئة الايقاع لا تملك برامج عملية واضحة وسهلة. دائماً هناك برامج معطونة بطين التمنيات والاحلام و المدن الفاضلة، والتجارب الحزبية القديمة ما تزال كما هي ما بين احزاب طائفية الطباع، تحكمها العشائرية و القبلية، أو احزاب يسارية يسيطر عليها جيل مئوي وتسعيني منذ الحرب العالمية الاولى، يقول ذات المقولات ويردد ذات الشعارات ويظن انه فاعلة ومرغوب.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top