الراهن السوداني وجدلية الثابت والمتغير!

 خاص: سودان سفاري

التغيير الذى شهده السودان مؤخراً وتولى بموجبه المجلس العسكري الانتقالي سلطة ادارة البلاد برئاسة الفريق اول عبدالفتاح البرهان يمكن النظر اليه بأنه تغيير فرضته الارادة الشعبية

 إذ المعروف ان شعب السودان قاد إحتجاجات منذ 19 ديسمبر 2018 افضت فى نهاية الأمر الى هذا التغيير.  ومن هنا فان الاوطان عادة ما يكون لديها ما هو ثابت من مبادئ وقضايا كلية وما هو متغير من حكومات وسلطات واسماء. وهو ما يحفز الآن للتنبيه وعلى نحو واضح على الثوابت المبدئية التى ما ينبغي الخلاف حولها، لان التجارب السياسية الثرة للسودانيين فى تاريخهم الوطني الحديث زاخرة بالخلافات و المنازعات حين تدين الامور للاحزاب والقوى السياسية المتعطشة للسلطة. 

تكثر من الخلافات والاختلافات وتنصرف - دون وعي وادراك- عن القضايا الحقيقية وتسرف فى التنظير وتأطير المفاهيم واطلاق التمنيات. ومن الثوابت المبدئية المهمة فى هذه المرحلة الجديدة قضية الوحدة الوطنية وهي القضية التى من اجلها وقعت الحروب و المنازعات المسلحة منذ ما يفوق النصف قرن. 

لقد قضى السودان زمناً بأكثر ما ينبغي لترسيخ قضية وحدته الوطنية، ولا شك ان المرحلة الانتقالية الحالية بمثابة محفز حقيقي لدعم هذا الثابت الوطني الغالي الثمن وذلك عبر: أولاً، إيلاء الثقة الكاملة للمؤسسة القومية الوحيدة ذات الاحترام الوطني ونعني بها القوات المسحلة السودانية، فهي التى تحمي وتصون تراب الوطن وهي التى تنصهر فى بوتقتها كل القوميات السودانية لتدافع عن هذا الوطن بتجرد وبدوافع وطنية نبيلة وليس من مصلحة أحد ان يقع الجيش السوداني فى مستنقع التجاذبات السياسية والشكوك المرسلة، وممارسة الضغوط، لان الجيش بهذه المثابة هو القلعة الحصينة التى يأوي اليها الجميع.

ثانياً، من المدهش والغريب حقا ان المحتجين استعصموا بالجيش وقيادته العامة وطلبوا منه الانحياز لرغبة الشعب فى تسليم السلطة، وانه بعد ما فعل، كان جزاء قادته –رغم التضحيات– انه اصبح فى مرمى نقد وتشكيك المحتجين دون ان يسأل احد نفسه ما كان سيصنع لو لم يقم الجيش بهذا الدور وهذه الاستجابة!

ثانياً، قضايا السودان ليست بذات السهولة والتسطيح التى ينظر بها البعض ويوجه عبرها النقد والتشكيك فى الجيش السوداني، كما ان الجيش السوداني وباعتباره مؤسسة قومية يحاول في حدود واجباته الامنية الوقوف على مسافة واحدة من كافة المكونات السودانية الوطنية فهو ليس جيشاً خاصاً بفئة دون أخرى ولا يتزيّا بزيّ حزبي او إثني ومن حقه ان يحسب خطواته بدقة وموضوعية وان يزن الامور بميزان الذهب وألاّ يتعجل فى إتخاذ قرارات ومواقف - كما حدث من قبل فى عام1985م- حين قررت حل جهاز أمن نميري يدفع ثمنها السودان غالياً لاجيال وعقود من السنوات.

رابعاً، العمل على السيطرة على روح التشفي و الانتقام والكراهية، فنحن حيال عمل سياسي والعمل السياسي فى خاتمة المطاف يحتمل الخطأ والصواب، وكل الذين مارسوا العمل السياسي طوال التاريخ الحديث للسودان أخطأوا حيناً وأصابوا حيناً آخر، وليس من الموضوعية فى شيء اشاعة روح الكراهية و شيطنة الآخر، واقصاء ساسة الامس ومحاولة القاء كل الشرور عليهم.

ربما بدا بعض ذلك قاسياً على (الثوار) والشباب الذين قادوا التغيير فى الميدان بحكم روح الثورة، ولكن هذه الثوابت الوطنية المطلوبة وان بدات للبعض عصية على القبول، فلكي تبنى وطناً حقيقياً – يجب ان تبنى وان تمضي الى الامام بروح النظر الى المستقبل وتجاوز الماضي، و التخلي عن الشيطنة والاقصاء. 

خامساً، احترام مؤسسات الدولة، مهما بدا للبعض ان الذين سبقوا غيروا وبدلوا وفعلوا الافاعليل إذ ان المقصد هو بناء الدولة وترسيخ المؤسسية، لا أن يبدأ كل عهد بهدم القديم دون ان يملك ضمانات تشييد وبناء الجديد.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top