الوثيقة الدستورية بين نُذر العلمانية والرزايا الخفية!

خاص: سودان سفاري
 ليس من شأن السلطات الانتقالية سواء في السودان أو فى اي بلد من البلدان ان تتخذ قراراً استراتيجياً ذي ابعاد استراتيجية بمبادرة خاصة منها مهما كانت الظروف، وذلك لسببين أساسيين فى غاية البساطة.


السبب الاول ان السلطة الانتقالية هي أصلاً (سلطة طارئة وعابرة) ولا تحمل تفويضاً شعبياً اي انها ليست منتخبة، ومن ثم فان قرارتها ليست وليدة اختيار شعبي او إرادة شعبية.
السبب الثاني ان مهمتها الرئيسية كسلطة انتقالية هي تهيئة الملعب بما يكفي لاجراء الانتخابات العامة، فهي (حارسة) للملعب الى حين قيام الانتخابات العامة والتى يعتبر الفائز فيها صاحب الحق فى ترجمة الارادة الشعبية الى واقع.
 الآن بدأ يُلاحظ بشأن الوثيقة الدستورية الصادرة حديثاً والموقع عليها رسمياً بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير فى 17 اغسطس 2019 انها خلت تماماً من الاشارة الى امر اساسي و استراتيجي وهو (مصدر التشريع) اي المنبع الذى تؤخذ منه تشريعات وقوانين الفترة الانتقالية.
والواقع ان هذا الامر بات يقلق الكثيرين، ليس فقط لان فى ذلك اشارة واضحة لامكانية تأسيس دولة علمانية فى السودان تتجاهل ديانات المواطنين ودين الاغلبية وهي الشريعة الاسلامية، ولكن ايضاً لان في هذا المسلك ما يمكن ان نطلق عليه (تراجعاً حضارياً) لان قوانين الشريعة الاسلامية دون شك هي قوانين حضارية بكل ما تعنيه الكلمة، فهي ليست كما قد يبدو للبعض مجرد عقوبات جنائية تقطع الايدي و الارجل وترجم، ولكنها قوانين وقيم انسانية لا غني للمجتمعات كلها فى طول وعرض الدنيا معها، وذلك لان قوانين الشريعة:
 أولاً، تحد من اشكالات التعقيدات المالية فى مجال الربا وسعر الفائدة وغيرها، وهي تضمن بهذا الصدد عملاً مصرفياً نظيفاً ويجب ان نؤكد هنا ان سوء الممارسة السابقة –ونكرر سوء الممارسة وليسة سوء القوانين– لا يبرر اخراج هذه القوانين وإلغائها بحال من الاحوال، وليس غريباً ان بعض الازمات الاقتصادية التى شهدها العالم (أزمة وول سترتيت 2008) فى الولايات المتحدة كان أحد أهم اسبابها حدة التعامل الربوي فى الاقتراض العقاري وتبادل الاوراق المالية .
ثانياً، لا ينكر الا مكابر ان للشريعة الاسلامية افضل قواعد وقوانين الميراث وغنيّ عن القول هنا ان العديد من خبراء القانون فى العالم ظلوا على الدوام يعجبون غاية الاعجاب بنظام الميراث فى الشريعة الاسلامية كونه يحقق اقصى قدر من العدالة المطلوبة بين الورثة.
ثالثاً، العديد من المؤسسات التعليمية و المعاهد و الخلاوي تتأسس على هدى من قوانين الشريعة الاسلامية باعتبار ان هذه هي قيم السودانيين وإرثهم وتقاليدهم، كما ان ان الغالبية فى السودان كما هو معروف طرق صوفية ومتشربون بالديانة الاسلامية، وهذه كلها قيم حضارية ما من مبرر يحول بين استمرارها، ولا من سبب موضوعي يجعل السلطات الانتقالية تتجاهلها بدعوى ازالة النظام القديم، اذ ان النظام القديم يتحمل تاريخياً وزر اخطاءه و خطاياه ولا احد يدافع عن اخطاء وزرايا ويحمّلها للشريعة الاسلامية.
ان المؤسف في هذا المسلك والذى بدا واضحاً فى الوثيقة الدستورية ان مصادر التشريع لا بد من ان توضع بوضوح وقد مرت كل دساتير السودان بهذا، ففي دستور 1973 تم النص على ذلك وفى الدستور الانتقالي 1985 تم النص على ذلك ولم تستطع السلطة الانتقالية في العام 1985 ان تلغي قوانين الشريعة الاسلامية التى كان قد اصدرها النظام المايوي فى سبتمبر 1983 كما ان دستور 1998 نص على الشريعة ثم جاء دستور 2005 وكان فى ظل اتفاقية سلام شاملة وكان انتقالياً ايضاً ولكنه نص على مصادر التشريع ومن بينها الشريعة الاسلامية.
هذا الارث التاريخي من القيم الدستورية لا يمكن لاحد ان يتجاوزه او يشطبه بجرة قلم، فالشعوب حينما تبني مستقبلها انما تضع لبنة فوق لبنة، ولا تدع فراغاً هنا، او ثغرة هناك، ولهذا فان قضية الاشارة الى مصادر التشريع فى وثيقة دستورية مهمة كالتي نحن بصددها الآن قضية استراتيجية وحيوية، و سرعان ما تظهر المشاكل والخلافات عقب الفراغ من انشاء هياكل الحكم ويتبين ان النوايا والنزعات المتقاطعة لن يكون بوسعها ادارة فترة انتقالية هادئة وسلسة.

سودان سفاري - الخبر علي مدار الساعة

Top